تقدير موقف

قراءة في حراك العهدة الخامسة والانتخابات الجزائرية

طباعة تكبير الخط تصغير الخط

في مطلع انطلاق ثورات الربيع العربي 2010-2011م؛ اعتقد خبراء السياسة أنَّ الدول العربية كلها لديها القابلية لاشتعال الاحتجاجات إلا جمهورية الجزائر التي شهدت ما يزيد عن 10 سنوات من الدم فيما يسمى ب(العشرية السوداء) في الفترة 1992-2002م، وعلى هذا الأساس تعاملت السلطات الحاكمة هناك مع الشعب منذ انتهاء العشرية الدموية، وفي هذا السياق يمكن النظر إلى ترشح الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة للعهد الرابعة، وسعيه للترشح للعهدة الخامسة.

لقد أعلن بوتفليقة (82 عامًا)، قرار ترشّحه لولاية رئاسية خامسة في الانتخابات المقرر إجراؤها في 18 أبريل 2019م. وبهذا يكون قد حسم مسألة بقائه في السلطة بعد فترة من الضبابية والتكهنات المتصلة بإمكانية اعتذاره عن الترشّح نظرًا إلى ظروفه الصحية التي قد تعوق ممارسته مهماته الرئاسية. وربما يدفع هذا القرار عددًا من أبرز مرشحي المعارضة إلى إعادة النظر في قرارات ترشّحهم لاعتقادهم عدم وجود فرصة حقيقية للنجاح في ضوء هذا الترشّح المجمع عليه من الحزبين الكبيرين والجيش، وشكوك في عدم حياد الإدارة التي تشرف على العملية الانتخابية.

وتعدّ هذه الانتخابات الرئاسية هي الأولى بعد التعديل الدستوري الذي جرى في الجزائر في  مارس 2016، والذي تمَّ بموجبه إعادة تحديد الولايات الرئاسية لتصبح قابلة للتجديد مرّة واحدة فقط (مدتها 5 سنوات). وتنظّم انتخابات أبريل 2019 بموجب القانون العضوي رقم 16-10 الصادر في أغسطس 2016م، والقاضي بإجراء الانتخابات الرئاسية بالاقتراع على الاسم الواحد بالأغلبية المطلقة، مع إمكانية الانتقال إلى دورة ثانية يشارك فيها المرشحون الفائزون بأكبر قدر من الأصوات في الدورة الأولى في حالة عدم تحقق الأغلبية المطلقة.

وثمَّة من ينظر إلى ترشّح بوتفليقة للانتخابات الرئاسية على أنها تعطيل غير مباشر للعملية السياسية من خلال حسم نتائج الانتخابات مسبقًا لصالح مرشّح الحزب الحاكم والجيش والتحالف الرئاسي الذي يسيطر على الجهاز البيروقراطي للدولة الجزائرية، إضافة إلى تمتع الرئيس بدعم قيادة الجيش وطبقة رجال المال والأعمال. وعليه؛ من غير المستبعد انسحاب بعض أبرز المرشحين أمام بوتفليقة (بن فليس، أو مقري) في الأيام القادمة، كونهم غير قادرين على المنافسة في ضوء موارد التحالف الذي يقف وراء الرئيس؛ سواء أكانت مالية أم إعلامية، فضلًا عن نفوذه في أجهزة الحكم والإدارة.

وبعيد إعلان بوتفليقة؛ انتفض الشعب الجزائري تحت شعارات رافضة للعهد الخامسة، لقد كان النزول الجارف إلى الشارع في حد ذاته حدثاً كبيراً ومدوياً حمل رسالة قوية على سقوط ورقة التخويف من الفوضى ومن ربيع عربي مدمر، أو من عودة البلاد إلى سنوات الحرب الداخلية. حيث يجد الجزائريون هذا الأمر في منتهى الجنون أنَّ رئيساً أصيب بجلطةٍ في الدماغ قبل ست سنوات يتم ترشيحه للمرة الخامسة كي يحكم دولة بحجم الجزائر لخمس سنوات جديدة. ولهذا السبب تُعتبر مظاهرات الجزائر سياسية، وليست احتجاجات مطلبية أي أنَّ محركها الأساسي ليس اقتصادي أو اجتماعي بالقطع، وهو ما يدلل على توق الشعب الجزائري لنظام سياسي ديمقراطي، وأن يختار ممثليه بحرية. وذلك على خلاف المظاهرات في السودان التي ثار فيها الشعب السوداني نتيجة تدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، إلا أن المتظاهرين يعون أهمية تغير النظام السياسي لان العلة تكمن في سياساته التي أدخلت البلاد في نفق مظلم.

ما يجب التأكيد عليه هو أنَّ هذه الانتخابات ستكون فريدة من نوعها، حيث تقدّم نحو 172 شخصًا بترشيحاتهم بحلول آخر يناير 2019، منهم رؤساء أحزاب ومستقلون، لكن المنافسة ستنحصر على الأرجح بين ثلاثة مرشحين، هم: عبد العزيز بوتفليقة، عبد الرزاق مقري، وعلي بن فليس. حيث غادر بوتفليقة لتلقي العلاج في سويسرا وعادت طائرته للجزائر بدونه، وتشير تقارير إلى أنه قد يجري عملية جراحية.