تقدير موقف

المصالحة التركية الروسية

طباعة تكبير الخط تصغير الخط

كان من الأهمية بمكان للجمهورية التركية الأردوغانية أن تعود إلى دائرة صفر مشكلات وفق العمق الاستراتيجي الذي رسمه البروفيسور أحمد داود أوغلو من قبل، لأن ارتباط تركيا بالملفات الخارجية المفتوحة كان مكلفاً للغاية، لقد تدخلت تركيا في الشأن السوري والعراقي بحجة الحفاظ على أمنها القومي من الأكراد، كما أيَّدت جماعة الإخوان المسلين في مصر ضد نظام الحكم، وكانت علاقاتها مع إسرائيل متوترة إلى وقت قريب، ومع روسيا أيضا بعد إسقاط الطائرة الروسية، ومع اليونان وقبرص وغيرها.

لقد تصالحت تركيا مع إسرائيل ودون سابق إنذار قامت بالتوقيع على اتفاق سياسي اقتصادي أمني مكوَّن من 6 بنود وملحقين. أما بعد فشل الانقلاب الذي قاده الجيش بمساعدة دول غربية وعربية، فقد بات من الأهمية بمكان مواصلة العودة إلى صفر مشكلات وقطع الطريق على الانقلابيين.

ثم تصالحت تركيا مع روسيا بعد تدهور العلاقات التركية-الروسية وهبوطها إلى مستوى غير مسبوق بعد مضي نجو 9 أشهر على إسقاط الطائرة الروسية التي اخترقت المجال الجوي التركي على الحدود مع سوريا من قبل القوات المسلحة التركية في 24 نوفمبر من العام الجاري.

وثمَّة معلومات تقول بأن رجل الأعمال التركي جاويد شَاغلار وبالتعاون مع رئيس الأركان خلوصي أكار، والرئيس الكازاخي نور سلطان نزار باييف لهم الفضل الأكبر في انفراجة العلاقات التركية الروسية. لكن؛ لم يكن الاتفاق التركي الروسي بطلب من الجانب التركي فقط، لأن التوتر الحاصل بينهما لم يلقِ بضرره على تركيا فحسب، بل ألقى بضرره على روسيا أيضا.

تزامنت جهود شاغلار مع برقية تهنئة أرسلتها تركيا إلى روسيا في يونيو من العام الجاري بمناسبة العيد الوطني لروسيا، أعربت تركيا من خلالها عن أمنيتها بأن تساهم في إعادة العلاقات بين البلدين التي تضرّرت نتيجة إسقاط المقاتلة الروسية. وبالطبع حملت البرقية رسالةً تركية واضحةً تعكس استعداد أنقرة لتفعيلها سياسياً ودبلوماسياً باتجاه تحريك قنوات الاتصال المباشر وغير المباشر، وعلى المستويات كافة، للوصول إلى النتيجة المرضية للجانبين.

لقد فعلها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وذهب إلى موسكو والتقى نظيره الروسي فلاديمير بوتين في سان بطرسبرغ، يوم الثلاثاء 9 أغسطس الجاري. ووصف أردوغان علاقات بلاده مع روسيا بالقول: “العلاقات التركية-الروسية مستقرة الآن أكثر من أي وقت مضى”.. وجاء ذلك في المؤتمر الصحفي الأول الذي عقده مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين

من المؤكد أن العلاقات بين البلدين بدأت تتحسن بعد اعتذار أردوغان عن حادثة إسقاط الطائرة، ثم تحسنت بشكل أكبر على خلفية التصريحات الروسية المتضامنة مع حكومة السيد أردوغان ضد محاولة الانقلاب، علماً بأنَّ بوتين كان أول زعيم دولي يتصل بأردوغان لتهنئته بفشل الانقلاب. وهذا يعني أن الزيارة تأتي بمثابة تتويج لجهود دبلوماسية طويلة بذلها الطرفان، لتشكِّل خطوة أولى لعودة بلاده إلى ممارسة دور إقليمي متوازن ومضبوط على إيقاع العلاقات وتبادل المصالح مع القوى المؤثرة في المنطقة.

لماذا المصالحة؟

يرى الكاتب التركي فخر الدين آلتون أن المصالحة التركية الروسية قطعت الطريق على الولايات المتحدة التي تحاول تصعيد الخلاف بين روسيا وتركيا لأجل أن تكون هي الوسيطة بينهما لحل الخلافات، وبالتالي قامت تركيا بكسر هذه السلسلة عبر خطاب الرئيس رجب طيب أردوغان، فالسياسة الخارجية لأمريكا، قامت بعد سنة 1945 بالاستفادة بشكل جيد من التوتر القائم بين الأطراف العالمية. لكن تركيا أخذت هذه الورقة الرابحة من يد الولايات المتحدة. كما كنت قد كتبت سابقا، بعد رسالة تركيا الأخيرة، فإن نيويورك تايمز القريبة من حكومة أوباما قامت بالنشر ضد تركيا بشكل غير مسبوق.

لقد تضررت السياحة والاقتصاد لكلا البلدين جرَّاء حالة القطيعة لمدة 9 أشهر، وبالتالي فإن من شأن الاتفاقية التركية الروسية أن تنعكس بشكل إيجابي على اقتصاد البلدين. كما أن الهدف من الاتفاق كما صرّح السيد أردوغان هو دخول تركيا مع روسيا تجارياً بمبلغ قدره 28 مليار دولار والخروج بأرباح لتركيا تقدر بـ100 مليار دولار.

أما التعاون الاستراتيجي فهو الآخر موضع اهتمام البلدين. ومن المتوقع أن تتعاون روسيا مع تركيا في مجال الطاقة النووية، هذا بجانب أن تركيا تعتمد على روسيا بشكلٍ رئيسٍ في استيراد معظم ما تحتاج إليه من الغاز، وبعدما تصالحت تركيا مع روسيا؛ لم تعد بحاجة ملحة إلى غاز بديل عنه.

ذكر “ايغور موروزوف”، أحد أعضاء مجلس الدفاع الاتحادي الروسي، أن تركيا قد تسمح للطيران الحربي الروسي باستخدام قاعدة “انجرليك” الجوية، أثناء قيامها بعمليات لمكافحة الإرهاب في سوريا. في حين لم يستبعد رئيس لجنة الدفاع والأمن في المجلس الفدرالي الروسي، فيكتور أوزيروف، “إقدام أنقرة على هذه الخطوة، خاصة بعد المحادثات التي أجراها الرئيسان، الروسي فلاديمير بوتين والتركي رجب طيب أردوغان، الأسبوع الماضي، والتي أعلن الرئيس التركي خلالها عن استعداد بلاده لدعم روسيا في جهودها الرامية إلى مكافحة الإرهاب في سوريا.”

أما سياسياً؛ فليس بمقدور تركيا أن تقدم على أي خطوة تتعلق بالملفات السياسية في المنطقة بمعزل عن أمريكا وروسيا، خاصة وأن البلدين قوتان عالميتان قادرتان على التحرك مع بعضهما في مواضيع كثيرة. ومعنى ذلك أنه من أجل الحفاظ على مصالح تركيا القومية لا بد من تعزيز علاقاتها مع روسية بشكل مباشر بمعزل عن الولايات المتحدة.

  • أمام تركيا مجموعة من الثوابت السياسية التي لا يمكن ضمانها دون التنسيق مع سوريا، وهي:
  • التخلص من التهديد الكردي المتمثل في حزب العمال الكردستاني PPK المدعوم من طرف أمريكا هي بمثابة تهديد أساسي بالنسبة لتركيا.
  • ضمان إيجاد حل سياسي لسوريا مع ضمان عدم تقسيمها.
  • ضمان عدم وقوف روسيا أمام تطلعات تركيا في البلقان.

يبدو واضحاً أن تركيا تسعى إلى تقوية علاقاتها مع روسيا، وهو ما يعني أن مزيداً من الجهود ومزيداً من الرؤى والأفكار سيتم تنفيذها من أجل تعزيز العلاقات بين البلدين، وهذا أمر موضع إجماع بين تركيا وروسيا، لأن كلتا الدولتين بحاجة إلى الأخرى.

ولعله من المفيد القول بأن الجنرال عاموس يادلين الرئيس السابق لجهاز الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية “أمان” قد ألمح إلى أهمية التقارب التركي الروسي بالقول “إن التقارب الروسي التركي ستكون له انعكاسات سلبية على إسرائيل في ثلاثة أصعدة هي سوريا والاقتصاد والطاقة، وأنه “إذا تراجعت تركيا عن إسقاط الأسد، فإن ذلك سيقوي المحور الإشكالي لإسرائيل الممثل في إيران وسوريا وحزب الله وهذا أمر سيء لإسرائيل”، حيث إن ذلك المحور سيظل موجودًا في المنطقة وأن التواصل الإيراني الأسدي مع حزب الله سيظل يعمل لصالح تحقيق مصالح إيران في المنطقة والتي تهدف إلى كسب شعبية على حساب كل من القضية الفلسطينية والصراع مع إسرائيل من خلال حزب الله.

أقسام الموقع :